حينما توفت إبنتي الوحيده


صورة من حديقة لاباجتيل باريس

في أحد أرقى معاهد التدريب في الكويت جلست بجانبي شابة صغيرة لا يتجاوز عمرها العشرين لفتت انتباهي بلطافتها و حماسها لتعلم الكمبيوتر فقد كانت فتاة تلفت الانتباه ومن النوع اللي ينحب على طول و بعد حوار قصير بيننا . ذهبنا لتناول فنجان قهوة في مطعم المعهد وبكل عفوية حدثتني بقصة حياتها وكأني صديقة حميمة غبت عنها منذ فترة ثم عدت إليها……. فأنصت لها واستمعت لأحداث غريبة وأليمه فلم أتمالك دموعي التي بدأت تسيل على خدي بغزارة حتى شررقت بدموعي من قصتها الأليمة………..


قالت .. كنت فتاة صغيرة عندما انفصل والداي وتزوج كل منهما ….كان والدي طيبا ويحسن معاملتي ولكن حياتي كانت كئيبة وحزينة ولا اعرف لماذا ربما لفراق والدتي أو بسبب حياتي مع زوجةأبي…. أو خلو حياتي من أي معنى او هدف … رأيت البنات من حولي يتحدثون عن الزواج والحب والحياة في ظل رجل وشوقني زواج قريباتي في سن صغيرة على فكرة الزواج المبكرة واعتقدت أن الزواج سيكون وسيلتي للاستمتاع بالحياة وايجاد هدف ومعنى لحياتي بالحلال فكانت امنيت ان اتزوج واخرج من بيت والدي الى عش صغير اكون فيه اسرة صغيرة

وعندما جاءني أول خاطب كنت في سن الثامنة عشرة وكنت أعتقد في قرارة نفسي أني عانس….! وكنت أرغب بالزواج بأي وسيلة وكان الخاطب أكبر مني بعشرين سنة
ومتزوج وله أبناء من سني ولا أدري كيف وافق والدي بسرعة وتم الزواج, هل كان يريد أن يتخلص مني؟…. لا أعلم ولكن ولكنه القضاء والقدر
وبالفعل تم الزواج وخرجت من بيت والدي الى بيت زوجي الذي لقد كان يحبني كثيرا ويعاملني بطريقة مفعمه بالحب والوداد ولكن حبه كانا مؤلما مملوءا بالتملك والغيرة فقد كان يضغط علي كثيرا فحرمني من أشياء كثيرة من أهلي ومن دراستي ولو كان يستطيع لحبسني في المنزل, ولكنه في المقابل كان يدللني بأسلوبه الخاص فلقد كان يحبني ( بعنف) وكان لا يسمح لي بأن أعمل في المنزل فكان يطبخ عني ويكنس و …يعمل كل شئ ليراني مرتاحة ….بل ليراني خالصة له وحده وكنت صغيرة وساذجة ولا أعرف الحياة….. وكنت اظن ان هذه هي الصورة الحقيقية للحب ولكني كنت دائما أشعر ان حياتي غلط و أقول له متى أصير كباقي النساء أخرج وأدرس وأعمل واذهب إلى أهلي …. فكان لا يزيد علىصمته….. إلا بنظراته الغريبة …. ومرت الأيام
وبدد الله علي وحشة هذا الزواج بأن رزقني بطفلة جميلة ملأت فراغ حياتي وأعطيتها خالص حبي و ودادي وشغلت بها عن آلامي مع زوجي المتملك الغيور الذي كان يغطي تملكه بالدلال والحب والنزهات والعطايا المادية
وفي يوم من أيام الصيف ذهبنا إلى البحرأنا وزوجي وابنتي …… ولما حان وقت الصلاة تركت ابنتي عند أبيها وتوجهت الى الصلاة ولما انتهيت من الصلاة رأيت ابنتي ممدة بين يدي أبيها بلا حراك ولا كلام فصرخت فيه ماذا حصل لابنتي فأجابني بكل برود لقد غرقت في البحر… لا أدري ما الذي حصل بعد ذلك وما الذي صدر مني لقد شعرت أن روحي تكاد تخرج من جسدي وصارت هذه الدنيا الواسعة ضيقة علي حتى كأني قد حبست بثوب من حديد …. لقد انفصلت عن الواقع كيف غرقت ؟؟ بهذه السرعه ؟؟ وبهذه السهولة ؟؟ لا لا أصدق ……وانكرت ما حدث صدقوني كنت أرى ابنتي من وراء ستائر الغرفة حقيقة لا حلم ……! وكنت أراها بعد وفاتها تتقلب في ممرات البيت بل كنت اسمع صوتها وهي تقول لي كعادتها ( ماما اينا بابا) ……..
شعرت أن أحشائي تتمزق وقلبي يذوب كمدا وحزنا على فراق ابنتي , ومما زادني حسرة وحزنا أن زوجي فاجأني بقرار جديد وصارم
تدرون ما هو أنه لا يريدني أن أنجب أبدا …..! لقد كان قرارا غريبا وصارما وكان يرغمني على استعمال موانع الحمل بل كان يتابع تناولي لحبوب منع الحمل بنفسه فصرت في حاله من الحزن وكأن جبال الدنيا على صدري فأنا بين شعوري بفقدي لابنتي وفلذة قلبي وثمرة فؤادي وبين فقدي لأمل الإنجاب مرة أخرى ….. غريب أمر هذا الرجل لم يرحم لوعتي ولم يصبر حتى يرتفع عني الحزن بفقد ابنتي, فتفاقمت المشاكل بيني وبينه….. وصار يتجادل معي يوميا حول هذا الموضوع وهنا صحوت من غفلتي …….
وأخذت أفكر في نفسي ما الذي جنيته من هذا الرجل …………؟؟ السجن الذهبي الذي حبسني فيه حبسا انفراديا ,أم تركي لكل الحياة من اهل ومجتمع وصديقات ؟؟؟ أم تحكمه فيني ؟؟؟؟ أهذا هو الزواج الذي كنت أبحث عنه……؟؟ هل هذا الهدف الذي كنت اسمو اليه ؟؟ إلى متى سأظل خاضعة لهذا الرجل الأناني الذي لا يعرف إلا نفسه ؟ فاستعنت بالله واتخذت قرارا حاسما ورفعت سماعة الهاتف وأخبرت أبي بكل معاناتي مع هذا الرجل القاسي وعن رغبته في هذا الوقت بأن لا انجب ابدا ولم يكن عمري يتجاوز التاسعة عشر .فما لبثت إلا القليل حتى جاءني والدي يقوده الشعور بالذنب على هذه الزيجة التعيسة……….. ورجعت إلى بيت أبي …. مطلقة صغيرة…. وأما ثكلى ….أجرجر أذيال الحسرة والألم فعشت أياما مريرة شعرت ان كل شئ في حياتي انتهى وان احلام عمري تحطمت فجأة أصبحت بدون بيت ولا زوج ولا طفله ……أما زوجي فقد استمر يتصل بي وانا اصده واخذ يكلم والدي ويتأسف مما فعل وأبدى رغبته في ارجاعي وابدى موافقته على ان احمل مرة اخرى ولكن هيهات ان ارجع الى ذلك السجن لقد حطمت قيوده بيدي ولن ارجع اليه مره مهما كان الثمن لقد فات الأوان …..
حتى جاءتني مكالمة لن أنساها

-انها من قريبتي فلانة: عندي لك مفاجأة , لقد سمع عنك فلان من العائلةوهو متأثر على حالك ومشفق مما أنت فيه ويتمنى لو يقدم لك كل ما يستطيع لإسعادك ويتمنى محادثتك بالهاتف تفضلي رقمه…

-فقلت لها : إن كان يريدني زوجة فبابنامفتوح , وإن كان ألمي قد أفقدني الشعور بكل احتياج …وان كان غير ذلك فأنا عفيفةوطاهرة ولا ألقي بنفسي في وحل العلاقات المحرمة مهما كانت الأسباب..
-ولكن أهلهغير موافقين على الزواج وهو يريد إقامة علاقة هاتفية بريئة معك الى أن يرضوا……….
– فقلت لها علاقة هاتفية شريفة؟؟أرجوك لا أرضى على ذاتي بذلك
وانتهت المكالمة
ومع مرور الأيام وتزايد حزني وألمي صحت أمي من غفلتها وحاولت أن تقدم لي ما تستطيع لتنسيني همومي وأحزاني , وسفرتني مع أخواني إلى أحد الدول العربية (…) وهناك في هذه الدولةالعجيبة رأيت ما لم أره في حياتي فعشت فيها أياما أشبه ما تكون بالحلم , رأيت الدنيا ولأول مرة………… الدنيا التي حرمت منها سنوات طويلة , في طفولتي و زواجي او سجني الانفرادي … فاستمعت بهذه الدولة وأنساني استمتاعي بها كل شئ ……. طفولتي ………..وزواجي الفاشل…….. وحتى وفاة ابنتي……. نعم لقد انشغلت بالاستمتاع ورؤية الحياة من جديد
وعندما رجعت إلى بلدي أخبرني والدي إن زوجي السابق نادم أشد الندم ويريد أن يرجعني إلي عصمته وسيعطيني حرية الإنجاب فرفضت الرجوع للسجن برجلي وقلت لوالدي لقد انتهى كل ما بيني وبين هذا الرجل لن أرجع أبدا للشقاء.لقد حطمني وآلمني عندما طلب مني عدم الانجاب لم يرحم لوعتي والمي وكل ما شغل باله ان اكون خالصه له مثل الأمه المملوكه…..
– وفي أحد الأمسيات جاءني صوت قريبتي علىالهاتف ثانية: ماذا قلت عن موضوعنا انه في انتظارك , ونيته الزواج ؟
وفي مساء أحد الأيام جاءني والدي فقال لقد خطبك فلان من العائلة(نفس الشاب الذي حاول إقامة علاقة هاتفية) وهو رجل مستقيم و خلوق ومن سنك ولم يسبق له الزواج ولأن أهله غير موافقين سأزوجكما بالسر ولن يعلم بزواجكما غيري…وبعد تفكير عميق وتشجيع من والدي وافقت
فوافقت وتم الزواج في صمت لم يشاركني أحد في فرحتي غير أبي ….. لم يعلم بعقد قراني أحد أبدااا وصرت اكلمه بالحلال فوجدته شابا مستقيما يحبني بصدق ويؤثر راحتي على كل شئ … لقد عرفت الحب الحقيقي الطاهر الصادق عندما رفضت إقامة علاقة مع هذا الشاب , فجاءني بالحلال حتى أنه قال لي كنت أريد الزواج منك بسبب ما سمعته عنك أنك مظلومة فأردت أن أسعدك ولما رفضت مكالمتي الهاتفية كبرت في عيني وعلمت سمو أخلاقك وقلت لن تكون شريكتي في الحياة غير هذه الفتاة العفيفة نعم اردتك زوجه وأم لأبناءي
و ها قد مرت الأيام وعلم الجميع بزواجي وباركوا هذا الزواج حتى أهله الذين لم يرضوا في البداية بعد أن تعرفوا علي أحبوني أكثر من جميع زوجات أبناءهم… والآن أعيش عيشة سعيده جدااا مع ابني وزوجي وأحمد الله على وفاة ابنتي الوحيدة التي كانت لي بابا للخلاص من السجن والسجان والانتقال إلي الحياة السعيدة المليئة بالحب الصادق النقي الذي لا يعرف الأنانية .
وصدق الله العظيم (( وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا((

Leave a comment

Leave a Reply

One comment on “حينما توفت إبنتي الوحيده

  1. طيبة الهندي on said:

    اكسرت خاطري البنت …واكثر شي شدني في الموضوع …الصورة الذهنية عند الفتيات بخصوص موضوع الزواج ..فتعتقد أن زوااجها حل لجميع المشاكل وانه الحياة المثالية والعصا السحرية لاشباع الرغبات المحرومة منها …والواقع يبن خلاف ذلك ..تبين ان السعادة و…الشقاء لاترتبط بزواج وعدمه وانما مرتبطة بمدى تحقيق الانسان التوافق مع من حوله وبالرضا عن ذاته ..وتوازنه في حياته…الآخرون ليس مسؤولون عن اسعادنا …
    … القرارات المصيرية …تحتاج الى استخارة واستشارة لأنها وعي وانارة …
    ….القدرة على التغلب على المشكلة والخروج من الحزن الى الحياة من جديد ..والشعور بحب الذات وعدم الرضا بالاضطهاد أكثر ما لفت نظري في موقف الفتاة
    ..العفاف العفاف ..تاج وراس مال الأحرار الشرفاء ..
    لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين

%d bloggers like this: